الموضوع: شاعر الأسبوع
عرض مشاركة واحدة
قديم 05-06-2011, 08:45 AM   #256
عاشق فلتة
 
الصورة الرمزية أبو آفاق
رقـم العضويــة: 77550
تاريخ التسجيل: Nov 2010
الجنس:
المشـــاركـات: 1,041
نقـــاط الخبـرة: 13

افتراضي رد: شاعر الأسبوع

جرير مفاخرا هاجيا:
عاصر الشاعر "عبيد الراعي" الشاعرين جريرًا والفرزدق، فقيل إن الراعي الشاعر كان يسأل عن هذين الشاعرين فيقول:
الفرزدق أكبر منهما وأشعرهما.
فمرة في الطريق رآه الشاعر جرير وطلب منه أن لا يدخل بينه وبين الفرزدق، فوعده بذلك.. ولكن الراعي هذا لم يلبث أن عاد إلي تفضيل الفرزدق علي جرير، فحدث أن رآه ثانية، فعاتبه فأخذ يعتذر إليه، وبينما هما علي هذا الحديث، أقبل ابن الراعي وأبي أن يسمع اعتذار أبيه لجرير، حيث شتم ابن الراعي الشاعر جريرًا وأساء إليه..
وكان من الطبيعي أن يسوء ذلك جريرًا ويؤلمه، فقد أهين إهانة بالغة ، فذهب إلي بيته، ولكنه لم يستطع النوم في تلك الليلة، وظل قلقا ساهرا ينظم قصيدة سنورد بعض أبياتها بهذه المناسبة، فلما أصبح الصباح ، ألقاها الشاعر جرير في "المربد" علي مسمع من الراعي والفرزدق والناس، فكانت القصيدة شؤما علي بني نمير حتي صاروا إذا سئلوا عن نسبهم لا يذكرون نسبهم إلي "نمير" بل إلي جدهم عامر.. هذا وقد سمي جرير قصيدته هذه" الدامغة" لأنها أفحمت خصمه:
أعـد الله للشعـراء مـنـي صواعق
يخضعون لها الرقابا أنا البازي المطل علي نميـر
أتيح من السماء لها انصبابا فلا صلي الإله علـي نميـر
ولا سقيت قبورهم السحابـا ولو وزنت حلوم بني نميـر
علي الميزان ما وزنت ذبابا فغض الطرف إنك من نميـر
فلا كعبا بلغـت ، ولا كلابـا إذا غضيت عليك بنو تميـم
حسبت الناس كلهم غضابـا معاني البيات واضحة سهلة، تتصف بهجاء الخصم وإلحاق العيوب والمساويء به، كما أنها تتصف أيضا بفخر الشاعر بنفسه، عدا عن أن الشاعر يتهكم بخصمه وبقومه، فيسخر من عقولهم الصغيرة كعقول الذباب، ثم يطلب الشاعر من خصمه أن يتواري عن الأنظار ويخجل من نفسه هو وقومه. ويختتم القصيدة ببيت رائع شهير بالفخر.
فالفخر هو الوجه الآخر للهجاء، فالطرف الذي يتلقي الهجاء من الشاعر، يجده فخرًا بالنسبة لنفسه ولقومه..
فهنا يفاخر جرير بمجده ومجد قومه فخرًا جاهليًا، يعتز فيه ببطولتهم وأيامهم القديمة وما ورثوا من مجد، فهو قد هيأ هجاءه لكل الشعراء الذين تحدثهم نفسهم بالتعرض بأنني سأقضي عليهم وأحطم عزهم.. أو يكف الشعراء بعد أن قلت كلمتي الفاضلة، أم يطمعون في التعرض لي، ليقاسوا من هجائي نارًا تلفح وجوههم لفحًا؟
فالهجاء عند جرير شديد الصلة بالفخر، فهو إذا هجا افتخر، وجعل من الفخر وسيلة لإذلال خصمه.
أما موضوع فخره فنفسه وشاعريته، ثم قومه وإسلامه.
فإذا هجا الفرزدق اصطدم بأصل الفرزدق الذي هو أصله، فكلاهما من"تميم" ، وإذا هجا الأخطل فخر بإسلامه ومضريته، وفي مضر النبوة والخلافة:
إن الذي حرم المكارم تغلبا
جعل الخلافة والنبوة فينـا هذا وكان لجرير مقدرة عجيبة علي الهجاء، فزاد في هجائه عن غيره طريقة اللذع والإيلام.. فيتتبع حياة مهجويه وتاريخ قبيلتهم، ويعدد نقائصهم مختلفا، مكررا، محقرا، إلا أنه لم يستطع أن يجعل الفخر بآبائه موازيا لفخر الفرزدق.
أبو آفاق غير متواجد حالياً