هذه روايتي الأولى في المنتدى أرجو من الأخوة ان يقرأوها بتمعن وروية وأن يأخذوا وقتهم في ذلك فهي طويلة الفصول لكن هذا اسلوبي في الكتابة
الوجه الآخر للحقيقة
الفصل الأول : الرجل الغريب والزائر الغامض
أصعب شيء في رواية أي قصة هو من أين تبدأها ، فمن أين نبدأ رواية قصتنا هذه؟ أنبدأها من قدوم ذلك الرجل الغريب إلى تلك القرية المنعزلة الهادئة الوادعة ؟ أم نبدأها من ذلك الحدث الذي أقض مضاجع سكان القرية وأحدث فيها اضطرابا شديدا كان له أثر وضجيج في نفوس السكان يفوق ضجيج القنابل الذرية ؟ أم ترانا نبدأها بسرد أحداث الماضي الذي أدى إلى هذا ؟ أم نبدأها من تلك الأحداث التي توالت تباعا فلم تعد أحوال أهل القرية بعدها كما كانت من قبل – ولن تعود أبدا - ؟
حسنا..... دعونا نبدأها من ذاك اليوم الهادئ الجميل والذي بدا عاديا رتيبا تتكرر فيه ذات الأحداث ، كما هو حال تلك القرية والتي لغرض ما سأخفي اسمها الحقيقي وأمنحها لقبا من عندي ..... ما يكون يا ترى ؟ ما يكون .....؟ دعونا ندعوها القرية الذهبية فالرمال التي تحيط وتتخلل أنحائها لها انعكاسات تتلألأ تحت شعاع الشمس كأنها بريق الذهب ، في حين تطل القرية على ذاك النهر الخالد الذي طالما كان مصدر حياة لسكان القرية وأجدادهم لآلاف السنين ، يصطادون أسماكه ويشربون هم ومواشيهم من مياهه...... تنساب تلك المياه في الترع المنتشرة بصورة متشعبة كشرايين الجسم لتروي مزروعاتهم القليلة في الشريط المحاذي للنهر والذي نجا من سطوة الرمال الذهبية التي تحف القرية ، .... تتعالى في القرية أشجار النخيل التي تشكل العماد الرئيسي لسكان القرية تتعالى لتشكل بساتين تحف القرية وتبرز أحيانا نخلة أو اثنتان في بيوت القرية الطينية البسيطة والتي كانت إلى عهد قريب تضاء بأضواء الفوانيس إلا أن الكهرباء قد وصلت مؤخرا وبدأت تنير البيوت لتشكل مزيجا عجيبا ، بيوته الطينية تحدثك عن القرون الغابرة وتنتزعك من مجرى الزمن لتقذفك في الماضي السحيق وأضوائه الكهربائية تجعلك تفيق من ذهولك وتذكرك بأنا ما زلنا في القرن الحادي والعشرين .
المهم.... في ذاك المكان الهادئ الوادع وفي ذاك اليوم الذي كان هادئا وجميلا كان عمدةالقرية الحاج مختار يمتطي حماره – والذي أبى أن يفارقه بالرغم من أن ابنه الذي يعمل في خارج البلاد قد اشترى له سيارة فارهة ليحظى بمزيد من الأبهة والهيبة بين سكان قريته بيد أن مختارا رفض وأصر أن يبقى على ظهر حماره كما كان أبوه وجده يفعلان ، فهو يريد أن يرى أرض قريته ووجوه أهلها دون أي حواجز مصطنعة حتى ولو كانت شفافة كزجاج السيارات.....
كان الحمار يسير بالحاج مختار بكل تؤدة وهدوء ولا يشعر بالتأكيد بكل ما كان يعتمل به فكر الحاج مختار فهو منشغل وبشدة بالتفكير في شأن ذلك الرجل الغريب (( صابر ))الذي قدم القرية قبل ما يزيد قليلا عن ستة أشهر ، ... قدم إليهم لا يعرفون من أين وسكن أرضا بعيدة في تخوم القرية التي لا تطرقها الأقدام حيث كان فيها بيت لأحد أعيان القرية سمح له بالسكن فيه مقابل أن يعتني بمزرعته ، كان منعزلا عن الناس لايكاد يتكلم معهم ولا يغادر بيت حاج أحمد الذي يسكنه إلا في القليل النادر وأحيانا يختفي لأسبوع أو أسبوعين دون أن يدري أحد أين ذهب وماذا كان يفعل ثم لا يلبث أن يظهر بينهم فجأة بكلماته القليلة المقتضبة التي لا تتعدى السلام والسؤال عن الحال.
ماكان يشغل الحاج مختار وكل سكان القرية معه أنهم لا يعرفون من هو هذا الرجل ولا من أين أتى ، والذي زاد من قلق مختار وأهل القرية أن مجموعة من شباب القرية في الآونة الأخيرة أخذوا يتوافدون إلى ذلك الرجل في بيته البعيد المنزوي وفي أوقات متأخرة من الليل حيث يكون كل من في القرية قد أخلد إلى النوم فماذا يفعلون هناك عند هذاالرجل الغريب وفي هذا الوقت المريب ، كان الحديث الذي بدأ همسا عن هذا الأمر قد تحول إلى جهر و ارتفع ليصبح صراخا بين أهل القرية وهم يطالبون بتفسير ما يجري و تجلية الغموض عن هذا الرجل وما يفعله أبناؤهم عنده في ذلك التوقيت المثير للشك وبصفته عمدة للقرية كان على مختار أن يجد الحل ويجيب على تساؤلات أهل القرية بعدأن يعرف الحقيقة من ذلك الرجل وقد كان في طريقه لفعل ذلك...
:السلام عليكم يا عمدة
انتشله هذا النداء من أفكاره التي غرق فيها ليرد التحية على سعيد ميكانيكي القرية الوحيد والذي يحتاجه أهل القرية ليصلح لهم معداتهم الزراعية ، كان سعيد قادما من إحدى المزارع والتي يبدو أنه كان يصلح بعض المعدات فيها ، ابتسم بعد أن حيا العمدة وواصل قائلا :
: صباح الخير يا عمدة إلى أين العزم في هذا الوقت الباكر ؟
:مشاغل يا ولدي مشاغل لا بد لي أن أقضيها .
ابتسم سعيد مرة أخرى وهو يودع العمدة الذي تجازوه وهو يسير في الاتجاه الآخر من الطريق الترابي الرئيسي الذي يفصل ما بين بيوت القرية والنهر وتطل عليه محلات وورش القرية مما يجعله كذلك السوق الوحيد فيها وفي القلب منه كان يقع المقهى الذي يجتمع فيه أهل القرية أول اليوم وأوسطه وآخره وشطرا من الليل ومن ثم يتفرقون إلى منازلهم في الهزيع الأول منه وإلى هناك كان العمدة متوجها ليشرب شاي الصباح ويتحدث مع من يجده هناك من أهل القرية ويتوجه بعدها إلى حيث يجد صابرا ، ..... قرب المقهى كانت تجلس الحاجة بخيتة وهي امرأة كبيرة في السن تعمل على مشغولات من سعف النخيل تفرشها أمام مدخل المقهى لتبيعها للغادي والرائح ، رآها العمدة وهي منهمكة في عملها فبادرها بالتحية
: صباح الخير يا حاجة بخيتة كيف الحال ؟
: والله بخير يا عمدة .
: هل لك من حاجة أقضيها لك ؟
: كثر الله خيرك يا عمدة لا شيء ، لا أريد إلا الستر من الله .
: أعانك الله يا حاجة وأعانني كذلك على هذه المشاغل .
قال عبارته تلك ودخل إلى المقهى والذي كان عبارة عن حوائط طينية سقفت بجريد النخيل والقش تتوسطه أعمدة من جذوع الأشجار تتناثر حولها طاولات حديدية مع مقاعد معدنية الحواف منسوجة من حبال بلاستيكية ، كان المكان شبه فارغ في ذاك الوقت الباكرولكن وبصورة مفاجئة كان الحاج حمد – وهو أحد كبار التجار في القرية – موجودا هناك وبرفقته الفكي سعد إمام مسجد القرية ، كانت صدفة خيرا من ألف ميعاد بالنسبة للعمدة الذي اتخذ مجلسا إلى جوارهما وهو يضع أمامه كوبا من الشاي المصحوب بطبق من اللقيمات ، رحب الرجلان بالعمدة وتبادلا معه عبارات المجاملة المعتادة ، أعقب ذلك فترة من صمت لف المكان كله بصورة مفاجئة استمر للحظات يسيرة بدا ولسبب ما وكأنها دهور مديدة اقتطعت من مجرى الزمن قطعها العمدة بتنهيدة حرى أطلق معها كل توتره قبل أن يقول :
: يا جماعة لا بد لنا من موقف حيال ما يحدث ونستوضح صابرا عما يجري .
وافقه الفكي سعد بإيماءة من رأسه دون أن يقول شيئا في حين قال الحاج حمد
: كلامك صحيح لا بد أن نفعل ذلك دون أي إبطاء .
: حسنا أنا في طريقي إلى لقائه فما رأيكما أن ترافقاني إليه ؟
أشارالرجلان برأسيهما علامة الموافقة قبل أن يتحدث الفكي قائلا :
: إن من واجبنا أن نحسن الظن بالناس ولكن ما يحدث في بيت صابر غريب ومثير للريبة ولايمكن السكوت عنه .
تحدثالحاج حمد موافقا ما قاله الفكي :
: أي والله ما من عادتنا أن ندس أنوفنا في شئون الناس أو نبحث في خباياهم طالما سترهم الله لكن هذا شيء لا يسكت عليه إنها أضواء حمراء لا ضوء أحمر واحد لابد أن نفعل شيئا .
وهكذا أجمع الجميع أمرهم على أن يتخذوا اجراء ما وأول ما يفعلون أن يستوضحوا حقيقة الأمر وبينته من ذلك الرجل الغريب صابر قبل أن يتخذوا رد الفعل المناسب ، بوصولهم إلى هذا الإجماع اتخذ الحديث منحى آخر عرجوا فيه على أحوال القرية والبلد وحتى العالم ....وفيما هم منهمكون في حديثهم ذاك ألقى ظل بنفسه على طاولة الثلاثة وأخذ يتمدد رويدارويدا مما يعكس أن صاحبه يدخل إلى المقهى بخطى وئيدة ، التفت الرجال الثلاثة بحركةآلية وفي آن واحد ليعرفوا من القادم الجديد ولكن ما لبثت أن شخصت أبصارهم بمجرد أن أبصروا القادم الجديد واتسعت أعينهم من الدهشة والمفاجأة فلقد كان القادم هو عين الرجل الذي كانوا يخوضون في شأنه ... كان صابر ، رجل تخطى منتصف العقد الرابع من العمر ينوء رأسه بشيب يدل على عمر أكثر من هذا مع خطوط غائرة تحت عينيه واللتين دائما ما كانتا حمراوين وتجاعيد عميقة حفرت في وجهه مع قامة متوسطة وجسد نحيل ،يرتدي ملابس تحير في تصنيفها أهي متناسقة أم متنافرة ؟ كان مزيجا عجيبا لا يمكنك أن تحكم عليه وفي المجمل كان منظره يثير قشعريرة في نفس كل من يراه ويجعله يستبطن خوفا لا يعرف سببه ولا حتى كنهه .
ألقى صابر التحية على الحضور ومضى ببطء ليتخذ مجلسا قصيا في زاوية المقهى يشرب فيه شاي الصباح ، ألجمت المفاجأة الرجال الثلاثة وأربكت خططهم هل يحادثونه الآن ؟ أم أن الزمان والمكان غير ملائمين ؟ كانت الحيرة الفعلية بادية على وجوههم لدرجة أنه لم ينبسوا ببنت شفة ، وقبل أن ينطق أحدهم حرفا يزيل به حيرة البقية ارتفع صوت صابر المبحوح بصورة تجعله أشبه بفحيح الأفاعي :
: كيف حالكم يا جماعة ؟ عسى الداعي خيرا !إنه لمن العجيب أن يجتمع ثلاثتكم في مثل هذا الوقت الباكر الذي لا يكاد يخرج فيه أحد ...
على الرغم من أن الثلاثة ما اجتمعوا إلا مصادفة إلا أنهم ارتبكوا كمن كان يحيك مؤامرة وفضح أمره علانية وعلى رؤوس الأشهاد وصمتوا لفترة طالت دون أن يحيروا جوابا قبل أن يتنحنح العمدة ويجيب بصوت متلعثم فضح ارتباك العمدة الذي حاول إخفائه :
: لا يا صابر ليس هناك إلا الخير ، نحن هنا بفعل المصادفة لا شيء آخر .
هز صابر رأسه وأشاح ببصره وأخذ يتجرع كأس الشاي ببطء وتلذذ وخيم السكون التام على المكان فيما اضطربت مشاعر الثلاثة وأفكارهم هل يحسمون أمرهم ويكلمونه الآن ؟ أم يؤجلون الأمر ليكلموه في مكان يوفر الخصوصية ؟ لا هذا المكان الذي يغشاه الجميع وتذيع فيه الأسرار مهما حاول أصحابها كتمانها .
دام الصمت لفترة طويلة والثلاثة لا يتحدثون وإنما يكتفون بإدارة الأفكار في رؤوسهم بينما شرد بصر صابر بعيدا وبدا أنه خارج حدود المكان وربما الزمان ، وفيما هم كذلك إذ قطع الصمت صوت خطوات قوية ثقيلة واثقة اتجهت نحو المكان فقطعت على الرجال الثلاثة حبل أفكارهم وأرجعت صابر إلى أرض الواقع فاتجه الجميع بأنظارهم صوب مدخل المكان ليعرفوا هذا القادم الجديد ، تعالى قرع الخطوات معلنة قرب قدوم صاحبها الذي دلف إلى المكان وجال ببصره فيه ، كان شابا دون الثلاثين من العمر ذو قامة فارعة وقوام ممشوق وبنية متينة قوية وملامح هادئة واثقة ونظرات ثاقبة حادة فيها ظلال من السخرية ، أخذ يجول بها في المكان حتى توقف عند صابر فارتسمت على وجهه ابتسامة قاسية ساخرة تثير الخوف في قلوب أشجع الرجال ثم ما لبث أن فتح فمه بكلمات كانت مزيجا من السخرية والاستخفاف :
:عجبا أهذا أنت ؟ نعم إنه أنت يا ......
لم يكمل كلامه فقد اندفع صابر خارجا من المكان وقد ارتسم على وجهه كل رعب الدنيا وجحظت عيناه جحوظ الموتى وتلاحقت أنفاسه كأنما تطارده كل عفاريت الأرض وابتعد عن المكان بخطوات أقرب للركض منها للمشي ....
راقبالرجال الثلاثة المشهد بذهول واستغراب شديدين إذ لم يسبق لهم أن رأوا رجلا خائفا بهذا الشكل ، ما الذي يخيف صابر ....؟ والأهم من ذلك من هو هذا الشاب فهو ليس من شباب القرية – الذين يعرفونهم واحد واحدا – من هو ....؟ وما الذي أتى به إلى هنا....؟ وما الذي بينه وبين صابر ...... ...؟
الى االلقاء في الفصل الثاني
توضيح بعض الكلمات
الفكي : هو تحريف باللهجة المحلية لاحدى الدول العربية لكلمة الفقيه