مميز :ذكريات شهيد ~ قصة قصيرة ...
 
القصة . . . .
أذكر ذلك اليوم جيداً ... يوم أحسست أني حيٌ لأول مرة ... و شعرت بالثورة تتدفق في عروقي , و اعترتني حماسةٌ لم
أشعر بمثلها من قبل , و قلبي ينبض هتافاتٍ مدوية , ذلك اليوم ... صرخت بصوتٍ ملئ حنجرتي ........... حرية ....
18 \ 3 \ 2011
بدا يوماً عادياً , ربيعياً , دافئاً قليلاً , و هادئاً جداً ... كنا قد عدنا من النزهة الأسبوعية التي نقضيها في بساتين الزيتون
إلى أن إتصل أحدهم من أبي طالباً منه مشاهدة التلفاز في الحال ... و عندما سأله أبي عن السبب , أكتفى بالقول (القيامة
قامت ) , فأشعل أبي التلفاز ...... و منذ تلك اللحظة تغير تاريخ وطني , و معه تغيرت حياتي إلى الأبد ,
كنت متسمراً أمام الشاشة و عيناي لا تصدقان ما تريانه .... مظاهرة .... نعم مظاهرة... ضد النظام ... ضد المخابرات
و ضد قوى الأمن .... و سببها .. خمسة عشر ولداً من درعا .... خمسة عشر طفلاً ... كيف و لماذا , لم أعرف ... لكنهم
فعلوا ما لم يستطع فعله ثلاث و عشرون مليون إنسان سوري , نعم ... لقد أشعلوا ثورة ... ثورةً لم و لن يرى العالم
مثيلاً لها أبداً ...
لم أكن أدرك بماذا أشعر .. قلبي يشتعل حماسةً ممزوجةً بخوفٍ و ارتباك شديدين ... و معارك فكريةٌ تدور في رأسي
بشكلٍ عنيف , فأحاول تخفيفها , هل سنصبح مثل مصر , أو تونس , أو ربما ليبيا ,, لا لا مستحيل , نظامنا لديه
{القيادة الحكيمة} لا بد أن الأمور ستنتهي على خير ... و ستهدأ الأوضاع ... , و أقنعت نفسي بذلك لعدة أيام
و لكن ما رأيته فيما بعد برهن لي أن تلك القيادةُ الحكيمة لا تمتلك ذرةً من الحكمة أو حتى ذرة من الإنسانية ...
لا شيء .... , لا شيء إلا الغباء و الوحشية ......
معتقلون .... و جرحى .... شهداء .... ثم لم نعد نذكر إلا المجازر ....
غيرت الثورة كل شيءٍ و قلبت حياتي رأساً على عقب .... فقبلها , كنت لا أشاهد على التلفاز إلا المباريات الرياضية ,
و أشجع فريقي المفضل دوماً , و بعد كل مباراة أتحول إلى محلل رياضي و أناقش المباراة مع الشلة , و أطير حماسة
إذا ما أحرز فريقي المفضل فوزاً . ثم جاءت الثورة لتريني نوعاً آخر من الحماسة و شكلاً مختلفاً من الطيران ....
فأصبحت محللاً سياسياً أثناء كل نشرة أخبار ... و بدلت خلفيات جوالي لتصبح أعلام الثورة و رموزها , و الفيديوهات
فيه كلها كانت مظاهرات .... و أناشيد الثورة كلها , حفظتها , و لكن كنت أشعر بأن هناك شيءٌ لا يزال علي فعله .. نعم
.. علي أن أشارك في مظاهرة ... بركان الثورة في داخلي يريد الانفجار .
,
2 \ 6 \ 2011
ثم كان أن سنحت لي الفرصة و مرت مظاهرةٌ من أمام بيتنا و كأنها تنتظرني لأشارك , فأطلب من أبي السماح لي
بالذهاب .. فإذ بي أراه قد جاء معي ,
اندمجت في صفوف المتظاهرين , و بدأت بالهتاف , لم أكن أتخيل أن أحظى بشعورٍ بمثل هذه الروعة ...
كنت بقمة السعادة و الحماس مع القليل من الخوف و الكثير الكثير من الصراخ ... لم أكن أدري أن الصراخ قد يكون
جميلاً كما هو الآن ... و لم يكن كأي صراخٍ صرخته من قبل في أي شجارٍ أو عراك .. أن أصرخ بملء حنجرتي
بالكلام الذي أريد ... كان أجمل من أي شعورٍ أدركته في حياتي من قبل ... لقد كان ذاك ... شعوري بالحرية ...
لم أدرك إلا أني قد أصبحت محمولاً على الأكتاف و ألقن الهتافات للمتظاهرين .... لقد كان الطيران شيئاً جميلاً
و استيقظت من حلمي الجميل عندما أصاب أبي التعب فطلب مني العودة إلى البيت ... فلم أستطع إلا أن أطيعه ,
رغم أنني تركت قلبي و روحي و حتى صوتي .. هناك معهم ....
كنت ألملم شتات نفسي في منزلنا , حين دوت عدة أصواتٍ مدويةٍ اخترقت صمت الليل كالرصاص الذي يخترق ورقة
لا بل كان رصاصاً فعلاً ... رصاصٌ يخترق قلوب البشر ...
2\ 2 \ 2012
كان شعور العيش تحت القصف نوعاً جديداً من أنواع الخوف الذي تختبره نفسي ... فقد كان للقصف المدفعي صوتان ,
صوت انطلاق القذيفة و هو صوتٌ بعيدٌ و مكتوم ... و صوت وقوع القذيفةِ و انفجارها و هو صوت تمزق أشلاء البشر
تحت سقوف بيوتها ... فكنت عندما أسمع الصوت الأول ... أتشهد و أذكر الله كثيراً ... و عندما تقع يقع قلبي معها و
ينفجر خوفاً , ثم أتفقد نفسي لأرى إذا ما كنت حياً أم لا .... و كنت أحياناً بعد أن أسمع صوت الانطلاقة أتخيل أن القذيفة
ستخترق السقف الآن و تنفجر في وسط الغرفة و نتحول جميعاً إلى أشلاء .... و لكن ذلك لم يحدث ....
.
في العام الثاني من الثورة اختلفت الكثير من الأشياء ... تعرضت بلدتنا لقصفٍ عنيف فاضطررنا للنزوح عنها إلى
مكان أكثر أماناً ... فأجبرت على العيش مع أربعين شخصاً في بيتٍ واحد ... و كم كان ذلك مريعاً حقاً ...
و ازداد الأمر سوءاً عندما سمعت من أحد رفاقي أنني مطلوب للأمن , و قد يتم اعتقالي في أي وقت , فبت أنتقل من
مكان إلى مكان و أتجنب الحواجز قدر الإمكان ...
أخي الكبير كان في الجيش الحر , و أخي الأوسط ذهب مع عائلته إلى لبنان ... و أختي مع عائلتها ذهبوا إلى الأردن
و أنا استحلفتني أمي أن أبقى معها فلم أستطع أن أرفض لها ذلك ... و كنت قد تركت قلبي هذه المرة مع الجيش الحر ,
و كلما نظرت إلى عيني أمي ... و أتخيل أن أجلي قد حان ... أتسائل ... هل ستسامحني ؟؟؟ و أتذكر تلك الأغنية التي
تقول :
و أعشق عمري لأني إذا ما مت أخجل
من دمع أمي آآآآآآآآآآه من دمع أمي
.
20 \ 3 \ 2013
جاء اليوم الذي حوصرت فيه المنطقة التي كنا فيها , و سمعنا أنهم سيعتقلون كل الرجال القادرين على حمل السلاح ,
الهرب مستحيل , و كانت نهاية الشتاء ... فعرفت أنني كنت أرتجف خوفاً ... فقد كانوا يقتادون المعتقلين إلى الذبح فوراً
.
21 \ 3 \ 2013
استيقظت و أنا أشعر بشيءٍ لم أستطع تفسيره ... و أنا أتناول الطعام شعرت بكل لقمةٍ أنها غريبة ... و رشفةُ الشاي لم
تكن مألوفة و كأس الماء بدا و كأنني أشرب هواءاً ثقيلاً ... الكهرباء مقطوعة , التغطية مقطوعة ,,, و النفوس أيضاً
مقطوعة .
رفس أحدهم باب البيت و هجموا مشهرين أسلحتهم تجاهنا طالبين منا رفع أيدينا , ثم أمسك بي اثنان , لم أرى في
وجوههما أية ملامح ... و إنهالا علي بالضرب , و أمي تولول فأسكتها أحدهم بصفعة , ثم جروني خارج البيت ,
و في ظلام الليل استطعت أن أرى أن النجوم في السماء كانت حمراء اللون ... أخذوني إلى مكانٍ يبدو كالبستان ,
أو ربما هو بستان الزيتون ذاته ,,و كان هناك جدارٌ أشبه بسور , فأمروني بالوقوف و كان وجهي نحو الحائط , بينما
كانت سكينة الذبح في طريقها إلي .
أدركت أنني ميتٌ اليوم لا محالة و كم كان هذا الشعور غريباً و مضحكاً أو أني قد بدأت أفقد عقلي , إذ أني أعرف أن
الموت في طريقه إلي و مع ذلك كنت هادئاً متسمراً في مكاني أتأمل في ذلك الجدار , و كم بدا لي جميلاً و آمناً و تمنيت
لو يتوقف الزمن لأتأمل في ذلك الجدار إلى الأبد ... أحببت ذلك الجدار ... كان آخر شيءٍ سأراه في حياتي ...
أبعدوني عن الجدار ... جروني بعيداً عنه ... و عيناي متعلقتان فيه إلى أن غاب وراء جثثهم المتحركة الخالية من الحياة
و رأيت السكينة تلمع تحت ضوءٍ خفيف , ربما كان ضوء القمر , و مع كل أصوات العويل و الصراخ و الشتائم , لم يكن
في أذنيّ صوتٌ إلا صوت أمي ... و في عيني كانت صورة الجدار ...
تحركت السكينة نحو عنقي ... أحسست ببرودتها للحظة , ثم كانت كسيخٍ من النار يحرق جلد رقبتي , أحسست بألم فظيع
فأغمضت عيناي , و شعرت برأسي ثقيلاً فهويت إلى الأرض , و قد بدت ناعمةً و دافئة , و لا زال سيخ النار يحرقني ,
أتألم لكني لم أستطع الصراخ و حتى الآنين , ثم تلاشى ألم سيخ النار , و بدا كأن جبلاً كان يجثم فوق صدري , و لم أعد
أستطيع التنفس , و لم أعد أسمع دقات قلبي الخائف , فهل توقفت إلى الأبد ؟ , لم أعد أرى أو أسمع أو أحس إلا بالألم ,
أود أن أصرخ بأعلى صوتي من الألم , لكنه كان قد شل لساني ... ثم شعرت بأن حبلاً به مسامير كالأسلاك الشائكة قد
لف حول جسمي بأكمله , فخدر الألم أطرافي التي لم أعد أشعر بوجودها حقاً , حاولت جاهداً فتح عيني ... فرأيت شجرة
زيتون ... , أحسست بيدي اليمنى للحظة فحاولت تحريكها فقبضت قبضةً من التراب , تراب وطني , و قد بدا ناعماً و
دافئاً كيد أمي تماماً ... أصدرت عدة أنات ... طالباً فيها المساعدة ... و لكنني أحسست بأن أعواداً من الحديد الملتهب
قد غرزت في صدري فثبتتني بالأرض ... سمعت صدى عدة رصاصات من بعيد ...
شعرت بألم لا أكاد أجد له وصفاً , و بدا كأن عيناي ستنفجران و كأن دماغي يكاد يخرج منهما , و جسمي بدا و كأنه
يقطّع بآلاف السكاكين في ذات اللحظة , أحاول التنفس و لكن لم أقدر ... تحولت رئتاي إلى قطعةٍ من الحجر , و أما
قلبي فقد تحول إلى قطعةٍ من جليد ,
توقف صوت أمي , و ساد الصمت , و مت .
و عندما حل الصباح التالي , استطعت أن أرى جثتي ... رقبتي كانت مجروحة , و على صدري كان هناك واحدٌ و
عشرون جرحاً من واحدٍ و عشرين رصاصة , تماماً كعدد سنين عمري ... , الجبل فوق صدري لم يكن سوى يدي
اليسرى ,,, و حبل المسامير كان نبتة شوكٍ ارتوت بدمي ...
عاد صوت أمي ... و كان ألمه مزعجاً جداً ... أمي , سامحيني , لا تبكي .... أرجوك , لقد زالت الغشاوة عن عيني
الآن , و فهمت الحياةَ بعد أن فارقتها , أمي , لا كلام هنا إلا عن رحمة الله و حكمة الله و مشيئة الله , لا تبكي يا أمي
أرجوك و ثقي بالله ... و سامحيني ...
نظرت إلى جداري العزيز حيث كنت واقفاً ... و أدركت في الحال سبب حبي له , فهناك تماماً حيث كنت أقف ,
هناك تماماً حيث كانت عينيّ تائهتان , كان قد كتب أحدهم على الجدار هذه الجملة :
الله ..... سورية ...... حرية و بس
.................................................. .............................. 10 \ 6 \ 2013

التعديل الأخير تم بواسطة حلم القمر ; 09-22-2013 الساعة 03:52 PM
|