عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 12-13-2013, 11:53 PM
الصورة الرمزية أحمد بن محمد الفيفي  
رقـم العضويــة: 296474
تاريخ التسجيل: Dec 2013
الجنس:
المشـــاركـات: 2
نقـــاط الخبـرة: 10
افتراضي تأملات في مرثية

]إذا أردت أن تقف على قوة وصدق العاطفة عندشاعرما فابحث عنها في غرضي الرثاء والغزل لديه .
أقدم للقاريء الكريم مقطوعة شعرية ساخنة ، باكية مبكية ، نفّس بها الشاعر مويلك بن مزموم ، عن مكنون صدره حيال وفاة زوجه – أم العلاء -
امرر على الجدث الذي حلّتْ به * أم العلاء ، فنادها ، لو تسمعُ
أنَّى حللتِ ؟ وكنتِ جدّ فروقة ، * بلدا ،يمرّ به الشجاعُ ، فيفزعُ

مطلع هائج ، يعبر عن شعور يغلي ، لفقد إلفِ شاعر حساس ! يطلّ علينا بفعل الأمر : امرر ، الذي تزيد وضوح قسوته باستخدام هذه الصيغة بدلا عن - مُر- ، لكي يبدو مفككا ومهلهلا ، وكأنما يرمز لذلك الخلل الذي اعترى حياة الشاعر بعد مصابه الجلل ، فهو ذو دلالة من الهيجان العاطفي ، حتى لكأن المُتلقّي يسير على صخور خشنة حامية ، كما يزيد وضوح هذا الشعور الصلف أسلوب التجريد الذي تعمده الشاعر ، بحيث جعل من نفسه شخصا آخر يوجه إليه شكواه . ثم تأتي لفظة ( الجدث) التي تهز القلوب ، وكأنما هية داهية قد امتلأ جوفها بتلك الفقيدة . وفي تعمّد الشاعر الاكتفاء بكنية فقيدته ما يشعرنا بمدى ضنّه بها ، فهو في أوج أحزانه ، يؤصِّلُ لقِيم مُثلى يجدر أن تسود بين الزوجين .
ويترقّى خيال الشاعر ، وتتصاعد انفعالاته ، وتتوالى زفراته ، فنراه يحشد كل ملكاته اللغوية ، ليقول بعد ذلك :
صلّى عليكِ اللهُ من مفقودة * إذ لايلائمك المكان البلقعُ
فلقد تركتِ صبيّة مرحومةً ، * لم تدرِ ماجزعٌ عليكِ فتجزعُ
بعد دعائه لها ، أخذ يتفكّر في مآل صبيّته ، التي لم تميّز بعد .
تأمّل لفظة ( صبيّة) الدال على صغر سنها ، بحيث تلهو وتسكن عواطفها نهارا ، ولكن سكونها ما يلبث أن يهيّجه الليل ، ويستثيره الظلام ، فتبيت ساهرة مسهرة .
ثم تأمل اللفظة نفسها من زاوية أخرى ، كيف استطاع الشاعر أن يجعلها لمشاعره وقودا ، لايزال يمدها بما يذكيها ، كلما كاد أُوارها أن يخبو .
ثم تأمل اللفظة نفسها من زاوية ثالثة ، إذ إنها لم تخصص بتعريف ، ولم تحدد بمخصوص ، وإنما هي صالحة لتصوير الشاعر مرهونا بتوالي سنيّها ، وشمولية مدلولها .
ثم يصل الشاعر إلى ذروة انفعاله ، وقمة أحزانه ، فيقول :
فَقَدَتْ شمائلَ من لزامكِ حلوةً * فتبيتُ تُسهِر أهلها ، وتُفَجِّعُ
الشطر الثاني من هذا البيت يمثل عين القصيد في المقطوعة ، فقد فجّر فيه ثلاثة أفعال مضارعة ، تبيت ، وتسهر ، وتفجّع .
تبيت ، فعل ليلي أسود ، وتسهر ، فعل ليلي أسود كذلك ، وفيه مايدل على أنها لم تسهر لوحدها ، ولكنها تسهر معها ذلك الحزين المكلوم وغيره .
وتُفَجِّع ، فيه زيادة في مبناه ، دلّت على الزيادة في معناه ، فهي لم تفجَعهم مرة واحدة ، ولكنها تُفجِّعهم مرة تلومرة تلو مرة …. !
ولاحظ مايكتنزه هذا البيت من حروف العلة – التي تسمح بامتداد الأنين وبثّ الشكوى !
فهذه الألف في : شمائل ، لزام ، أهلها . وهذه الياء في : تبيت .
وأخيرا يقول :
وإذا سمعْتُ أنينها في ليلها * طفقت عليكِ شؤون عيني تدمع .
عندما يستنهضه أنين طفلته ، يستحضر صورة أمها ، فيبكي فقدها .
يدرك القاريء الكريم أن الشاعر قد تمكّن من إيصال رسالة قوية إلى المتلقي ، مفادها : إن فاجعته ليست كأية فاجعة ، تطويها الأيام ، ولكنها فاجعة حية تنمو مع الأيام ؛ بوجود مصدر ذكراها ( الصّبيّه) ، أجاد الشاعر ، فبكى وأبكى في وقته ، وفي وقتنا وما بينهما .
وأما بعد :
فلقد استخدم الشاعر قافية العين ، وهي قافية شرود ، لايروضها إلا شاعر*متمكن في هذه الصنعه .

التعديل الأخير تم بواسطة أحمد بن محمد الفيفي ; 12-14-2013 الساعة 04:12 AM