صهيل الأوجاع
وأنا المولودة من رحم أمّ قرويّة،
أرضعتني حليب الكرامة ودسّت بروحي تمائم الكبرياء المسمومة،
وأنا التي هدهدتني راحات والد أغرقنا بطوفان هادر من شموخ،
وأطعمنا لقيمات من طيبة وأرغفة من خبز المحبّة،
أجول في دهاليز حياة تنكرني وأمقت صلفها،
وفي كلّ مرّة أقول اليوم أتغيّر،
اليوم أحرق ثوب البتول،
اليوم أمزّق أسمال المحبّة،
اليوم أنحر قلبا ينوء بحمله،
اليوم أدفن هذي الغبيّة السّاذجة وأقتني من سوق الوطن قلبا لا يبكي،
لا يتوجّع،
لا ينزف،
سأصمّ أذنيّ،
فإذا ما سمعت صرخات حلب تنتحب، أو غزّة تستصرخنا،
سأقول يا الله ما أعذب هذا الشّدو وما أطيب هذا الغزل،
سأغدو ضريرة،
فإذا ما أبصرت الأشلاء ملقاة على ناصية مجروحة نازفة على وجه الوطن،
سأسرّ لنفسي بأنّ هذه لا تعدو صورة سرياليّة مجنونة،
نبتت على يراع رسّام مارق كافر بالحياة،
سأجهض كلّ أحلامي البريئات،
فأطرد من خيام حروفي لاجئة شريدة أسكنتها بين أوتاد قلبي،
وأحرق مراكب استقلّها شباب يتأبّطون أوطانهم في قلوبهم،
ويعبرون بها إلى ضفاف الأحلام في أراضي التيه والعدم،
فأقتلع الصّواري وأقطّع أوصال الأشرعة المشيّدة على سفن روحي الوارفة كما الحلم ،
الصّافية كما قلب نبيّ،
سأعدم في ساحة الأمويّين، وعلى أبواب بيت المقدس، وعلى أعتاب تمثال المتنبي ببغداد، ملائكة الحبّ المتربّصة بقلبي،
سأدوس بنعال القهر والبطش زهرة قطفتها ذات حلم لأزرعها على صدر حبيبي،
سأصيّر رفيقي عبدا أجلده بسياط الخيانة مزدانة بسمّ الغواية والفتنة،
ويكفي أن أبصر بسمة على ثغر قلبه حبيبي،
ويكفي أن تقرئني طفلة صغيرة قرآن البراءة وترانيم الحلم المزروع على أديم قلبها المخصب،
حتّى أرتدّ صبيّة بضفائر تحنو على كتفي حلمها،
ترسم على أوراق دفتر خلسة عن سيوف القدر الحروف الاولى من اسم حبيبها،
وتضع على خدود الفرح حمرة خجلى تستدرّ نظرة مشوقة من مقل رفيقها،
وأبني على سفح الغد بيتا صغيرا يهصر قلبي في روحه حبيبي،
وينبت جسدي للمرّة الألف من لمسة مجنونة من أنامل العشق المتّقدة على تنّور الحبّ في قلب رفيقي...
بقلم دليلة الوحيشي