بسم ٱڷڷه ٱڷرحمن ٱڷرحيم
ٱڷحمد ڷڷه رب ٱڷعٱڷمين ، وٱڷصڷٱة وٱڷسڷٱم عڷى خٱتم ٱڷٱنبيٱء وٱڷمرسڷين ،
ٱڷمبعوث رحمة ڷڷعٱڷمين، محمد وعڷى ٱڷه وصحبه ٱجمعين .
ٱمٱ بعد...
ٱڷسڷٱم عڷيڪم ورحم ـة ٱڷڷه وبرڪته
ٱسعد ٱڷڷه صبٱحڪم ومسٱئڪم بڪڷ خير ؟؟
ڪيف حٱڷڪم ٱخوٱني وٱخوٱتي .. عسـٱڪم يـٱرب بٱڷف خير و عـٱفيه ؟؟
أقدم لكم قصة قصير كنت قد نشرتها في أحد الموقع من قبل
نظر إلى المرآة للمرة الأخيرة قبل أن يخرج من غرفته , أمال القبعة قليلاً الى الامام و فرك عينيه محاولا طرد ما تبقى بهما من نعاس و توجه نحو باب الغرفة...
.........................................
.................................................. ......
لم يكن هذا الاسبوع يشبه بقية اسابيعه الماضية , فلقد قضاه بطريقة لم تخطر على باله حتى و هو في أوقات السكر الشديد .
ست ليال كاملة وهو يسهر حتى الفجر ليرتدي بعدها ملابسه العسكرية ويرش عليها عطراً رخيصاً ثم ينزل مسرعاً الى الشارع متسترا بالظلام ...
اسبوع كامل وهو يُطبق باب غرفته الكائنة فوق سطح منزل والديه في مثل هذا الوقت تماما , ثم يهبط درجات السلم متسللاً نحو باب البيت آملاً في كل مرة ألا يقابله أحدٌ من اخوته او ابناء اخوته على السلم , و يغلق باب البيت الخارجي بهدؤ و يقفز الى سيارته المتهالكة ثم ينطلق نحو هدفه الذي حدده مسبقاً .
.......................................
.................................................. .............
السماء تمطر في الخارج بعنف , والريح تهاجم سيارته و كأنها تريد أن تمنعها من ان تتقدم ،كادت الرؤية أن تنعدم أمامه تماماً , شعر بقشعريرة في جسده ..لكنه سرعان ما أحس بالدفء حالما تلمس الرتبة العسكرية على كتفيه ...
أبتسم دون إرادة منه مهنئاً نفسه على ذكائه الذي قاده لهذه الخطه المحكمة..
...............................................
.................................................. .................
كانت خطته بسيطة بساطة حياته التافهة...
سرح بخياله قليلاً متذكراً أهم لقطات شريط حياته التافهة وهز رأسه وكأنه يطرد هذه اللقطات من امام عينيه وقال لنفسه ما هي الا دقائق قليلة حتى تستيقظ المدينة على اخبارها اليومية المعتادة وسيعرف الناس أن ضابطاً كبيراً آخراً تم اغتياله هذا الصباح..
ترى ..من سيهتم لخبر إغتيال ضابط يحرس شوارع المدينة ؟؟؟
لا احد..فلقد اصبحت اخبار الاغتيالات كآخبار الأعراس واخبار الدوري الايطالي....
الله ..اين ذهبت تلك الايام التي كان سماع خبر جريمة قتل واحدة تلوكه الألسن شهراً كاملاً...
...........................................
.................................................. ..........ز
كانت خطته سريعة وجريئة وحالما اطمئن اليها قرر تنفيذها بأقصى ما يملكه من سرعة, ابتاع بدلة عسكرية من محل متخصص في الملابس العسكرية متفرع من شارع جمال عبد الناصر وتحصل مجاناً من البائع على شارات تعلق على الكتف تحمل رتبة رائد.
كانت خطته بسيطة بساطة عشاءه اليومي...
فكل ما كان عليه أن يفعله هو أن يصلي صلاة الفجر في احد المساجد بشكل يومي وهو يرتدي هذا اللباس منتظراً أحد فرق الاغتيال المحترفة كي تقرر الزمان المناسب لإغتياله...
وقع اختياره على جامع في منطقة الماجوري يقع في شارع متفرع من الطريق الرئيسي.. كانت معلوماته عن هذا الجامع ممتازة , ففي الايام الغابرة كان "الاخوة" يرتادونه لتلقي دروسهم الدينية فيه.
وصل الجامع قبل موعد الاذان بدقائق, لم يكن في الجامع سوى قيّم المسجد وبعض المصلين من كبار السن..قال لنفسه وهو يشرب بعض الماء من القلة , يبدو هذا الصباح الممطر وكأنه صباح ملائم لتنفيذ إغتيال ضابط كبير , فالجامع خال تماماً من المصلين...
وقف المؤذن أمام الميكروفون لكن سعالا شديدا فاجأه فتقهقر خطوتين الى الوراء لإستكمال نوبة سعاله...
نظر المؤذن الى ساعته وهو يسعل ثم رفع بصره بإتجاه المصلين مشيرا بأصبعه الى الساعة وقال "على احدكم ان يقوم برفع الاذان..""
اتجهت أعين الموجودين إليه وكأنهم قد اتفقوا فيما بينهم على ترشيحه لهذه المهمة , لم يحاول رفض هذا التكليف ونهض بحركة سريعة متجهاً الى الميكروفون ببدلته العسكرية المهيبة دون ان يبدي أي اعتراض..
وقف امام الميكروفون في رهبة لم يتوقعها...رفع يديه الى جانب اذنيه بحركة لا ارادية وتنحنح ثم قال بهدؤ...الله اكبر....شعر بطرقات قلبه على قفصه الصدري و ارتفع صوت انفاسه حتى خاف ان يفضحه الميكروفون...
أعاد التكبير...الله اكبر...
تحولت واجهة الميكروفون المثبت أمامه إلى بوابة لنفق مظلم لم يعرفه قبل الان...
دخل النفق بخطوة غير مترددة....
لمح والده يشير إليه مبتسماً وبجانبه وقفت والدته التي لم يقابلها منذ كان في الثانية... لمح في مكان آخر صديقه المقرب الذي دهسته سيارة أمام المدرسة وهما في الصف السادس...
كانت اخت صديقه تقف بجواره وهي تلوح له بمنديل ابيض ...
تقدم في النفق مائة شهر....
اشهد ان لا اله الا الله...
اختفى والده وأمه وصديقه وظهرت على جانبي الطريق عشرات الوجوه التي مرت به في حياته..
لازالت أخت صديقه الميت تلوح له يمنديلها من بعيد...
هرول في النفق مائة شهر اخرى...
اشهد أن لا إله إلا الله....
أختفت وجوه كثيرة وحلت مكانها وجوه اكثر...
رأى بيتهم القديم وشارعهم وشارع جدته القديم ودكان ابيه..شاهد مدارسه وملاعبه على جانبي النفق...
أظلم النفق قليلاً وشاهد اصدقاء له عرفهم خلال رحلة حياته الطويلة..بعضهم طعنه في ظهره وبعضهم تركه بلامبالاة...شاهد وجوهاً كثيرة لم يتعرف إليها...
تقدم في النفق المظلم بضعة سنين اخرى و رأى فشله مرسوماً بالفحم الاسود على جدران النفق..
وحدها شقيقة صديقه الميت كانت مرسومة باللون الاحمر وهي تلوح بمنديلها الابيض..
اسرع الخطى ...قاطعا شهراً كاملاً في الخطوة الواحدة ....
اشهد ان محمدا رسول الله ...
تذكر صديقه محمد...كان محمد قد عرض عليه المساعدة ألف مرة...لكنه في كل مرة كان يصطنع الكبرياء...اين انت الان يا محمد...؟؟ لابد انهما لم يتقابلا منذ اكثر من عشر سنوات...لماذا لم اتصل بك كل هذه المدة يا محمد...؟؟ سأتصل بك حتماً حالما اخرج من هذا النفق المريب....
لمح اخت صديقه في فستان ازرق تلوح له بنفس المنديل...
اشهد أن محمدا رسول الله ...
ها هو اخيرا صديقه محمد يظهر من بعيد...ها هو يقترب...لابد وأن محمدا سيقرضه ثمن الحافلة الجديدة التي فكر فيها منذ شهور ..أخيراً سينقل الركاب في حافلته الجديدة من البركة الى الفندق البلدي بعشرة دنانير في كل مرة...اخيراً ستضحك له الحياة وسيؤجر شقة في الكيش بخمسمائة دينار وسيترك بيت العائلة لأخوته الكبار فهو لم يعد يحتمل الحياة وحيدا في غرفة فوق سطح البيت...
حي على الصلاة..
اسرع الخطو محاولاً اللحاق بشقيقة صديقه التي كانت تلوح له مرتدية فستاناً وردياً....
حي على الصلاة....
كاد ان يناديها لولا ان سبقت حي على الفلاح رغبته في مناداتها....
حي على الفلاح....
لمح نفسه في مكان ما في النفق يرتدي بدلة سوداء ويده تمسك يد شقيقة صديقه الميت في ثوبها الابيض...
وعلى بعد عام آخر في النفق الذي اضائته مصابيح الفرح لمح طفلين يهرولان نحوه ورأى نفسه فاتحاً ذراعيه لهما...ها هو يلمح نفسه ضاحكاً للمرة الاولى منذ سنوات طويلة , سعيداً بكل ما منحته له الحياة من حنان...
حنان...تذكر اسم شقيقة صديقه الميت..ناداها مسرعاً قبل أن تسبقه حي على الفلاح الثانية..قال لها... اخيراً تقابلنا يا حبيبة الصبا...اخيراً سنبني بيتنا وننجب اطفالنا...اخيراً سأتخلص من كل هذه الاشياء الكريهة التي اعاقت ارتباطنا المقدس الابدي.....
اخيراً سأودع حياة البؤس واليأس...أخيراً سأعمل بكل جهدي لنعيش معاً ولننجب اطفالنا معاً..و نشيخ معاً ...سامحيني فبعد اليوم لن اتركك ساعة بعيدة عني.....
أنا هنا يا حبيبتي...سأخلع هذه البدلة وألبس لك ثياب الحب ...لن أرتديها بعد اليوم...لن أموت ....لن أدعهم يقتلونني....أنا قادم إليك يا حبيبتي....
الله اكبر ....الله اكبر.....
فاجأه التكبير...وقطع عليه حبال مناجاته للحبيبة ...من أين جاء صوت التكبير المرعب....؟؟؟؟
الله اكبر الله اكبر.......
اختفت حبيبته من امامه بلمح البصر وتغير شكل النفق الذي كاد أن يقترب من مخرجه..ماذا حدث...؟؟ اين اطفاله؟؟اين حبيبته....؟؟
نادى بصوت عال...يا محمد...ألن تقرضني ثمن الحافلة يا محمد...؟؟
سمع صوتاً صادراً من نفق جانبي يردد اللهم صلى على محمد..
سمع صوتاً قادماً من نفس النفق الجانبي يزمجر...الله اكبر الله اكبر...وخيل إليه أن شيئاً صلبا ًبارداً كحبات الثلج يخترق نفقه الجديد مبادلاً نفقه القديم بدماء ساخنة.....
ردد عجائز النفق القديم لا إله الا الله..لا إله إلا الله وكأنهم يكملون آذاناً كانت بدايته في نفق أمام ميكروفون في جامع صغير بمنطقة الماجوري ليحلق عبر نفق طويل يتجه إلى السماء السابعة....
................
................................................
بعد ساعتين..و في نشرة الثامنة..قال زهير البرعصي في راديو بنغازي ان ضابطا مجهول الاسم برتبة رائد أغتيل برصاص مسلحين ,أثناء رفعه لآذان صلاة الفجر..
النهاية