عرض مشاركة واحدة
قديم 07-22-2015, 11:56 AM   #7
عاشق فلتة
 
الصورة الرمزية imel
رقـم العضويــة: 149251
تاريخ التسجيل: Apr 2012
العـــــــــــمــر: 31
الجنس:
المشـــاركـات: 1,736
نقـــاط الخبـرة: 909
Gmail : Gmail
Facebook : Facebook
Google Plus : Google Plus
Youtube : Youtube

افتراضي رد: سلسلة الشمل المفترق : جزء من الشمل






مرت بضعة أيام، في أواخر يوليوز.
عاد محمد وصديقه نوفل ليبحثا عن العمل في أي مكان وهما منذ أيام على هذه الحال، فالمتنمرون منعاهما من القدوم إلى السوق.
أمّا الأم فقد تراكمت الديون عليها من جديد، البقال رفض أن يعطيها أن أي شيء حتى تدفع ما عليها من ديون، والشهر يكاد ينتهي، وأبناءها بدأ يصيبهم المرض بسبب الجوع. شدة التفكير في هذا الأمر يصيبها بإنهيار عصبي... والحياة تستمر.
السيدة التي كانت تعمل معها بدوام جزئي، سافرت في هذا الصباح ولم تعد، وقد أخبرتها أنها عندما ستعود ستعطيها راتبها والذي كانت تأمل أن تسد به جوع أبنائها. فمنذ يومين لم يتناولا أي شيء تقريبا.
الأب في السجن، لا يعرف ما في حال أبنائه، يتحسر من الألم وليس بيده ما يفعله لإنقاذ أسرته. في المرة الأخيرة لم يأتوا ليزوروه فبات قلقا عليهم، يترجى من الله أن يعينهم، ويثبتهم على المحن.
في المساء قبل أن تعود الأم، أتى سعيد وبيده كيس وقال لأخته سارة:- أطبخي لنا هذا، إنه خبز يابس جمعته؛
سارة تمسكه:- من أين أحضرته؟
رد :- من أبواب البيوت البعيدة.
فتحت الكيس وأخذت ذلك الخبز ثم بللته بالماء حتى يرطب وقامت بإضافة التوابل والملح عليه ثم بدأت تطبخه في إناء على الجمر إلى أن صار نيئا، أتى محمد وتساءل عن ما تطبخه، فأخبرته بالأمر. قال :- سعيد المسكين؛ ثم نظر إلى ملامح سارة فرأى في عينها السعادة وقد كانت تطبخ وهي تدندن بأغانيها التي تقولها، ثم صعد إلى السطح حيث كانت رانية تقوم بصنع سلة ورد كبيرة، كانت الشمس حينها تغيب والشفق الأحمر بات يظهر في الأفق، جلس بقربها وظل صامتا ينظر إليها، فقالت له:- أخي!؛ إبتسم وقال :- يبدوا أنك تحبين هذه الهواية. قالت له :- أمي تحبها!... ثم بعد لحظات صعدت سارة وكريم وسعيد عندهما وبدأت تفرش رقعة كبيرة. وأنزلت الأكل عليها، فقال محمد :- ماذا تفعلون؟
ردت سارة :- لقد ذابت الشمعة الأخيرة، في الأسفل الظلام فقط، لن نرى شيئا، من الأفضل أن نأكل هنا.
إجتمعو حول الرقعة وبدأ يأكلون ذلك الخبز المتبّل وقد كان لذيذا في أفواههم. ثم أتت الأم، ووجدتهم يتناولون فشاركتهم الأكل، الجوع جعل ذلك الأكل لذيذاً، فلم يبقوا منه شيئا. قالت الأم:- من أين أتيت بالخبز؟ ردت سارة مبتسمة:- لقد أتى بها سعيد المسكين، قال أنه جمعها من أبواب البيوت البعيدة؛ إنقرصت الأم بما سمعته، فقالت:- لا تفعل ذلك يا سعيد؛ فقال سعيد يجيبها على السريع :- وهل ترغبين أن نموت بالجوع يا أمي. فقال محمد:- إن شاء الله سيزول هذا الشيء؛ فقالت رانية :- يبدوا أن حياتنا تزداد سوءا منذ غادر أبي؛ لحظة صمت وألم مروا بها لفترة ثم قال محمد :- هل تعرفون نكتة السيدتان في الثلاجة؟ إنها نكتة جديدة حكاها لي نوفل؛ فسرد لهم النكتة التي أضحكتهم...
حلّ الظلام وهم ما يزالون جالسين بالسطح يتبادلون الأحاديث ويحكون النكت، كانوا يواسون بعضهم البعض حتى لا يشعرون بقسوة الحياة التي يعيشونها. وبعد أحاديث طويلة ساقتهم إلى الحديث عن الأحلام. تحدثت رانية وقالت :- إنني أحلم أن أصبح فتاة متعلمة تعرف في كل شيء؛ ثم تحدث كريم وقال :- وأنا أحلم أن أصبح طبيب وأعالج نفسي من المرض الذي يصيبني وأي مرض قد يصيبكم؛ وقال سعيد :- أما أنا فأريد أن أصبح ملاكما يخافني كل أبناء الحي؛ ضحك الكل وقالت الأم :- أهذا ما تريده؟ إفتعال القتال يا سعيد؛ ثم قالت سارة تضحك :- أنا أحلم بأنني مشهورة، مغنية مشهورة تظهر على التلفاز؛ ثم بدأت تغني وكان صوتها مزعجا، فبدؤا يضحكون على صوتها، فغضبت وسكتت، ثم بدأو ينظرون إلى محمد، الذي لم يتحدث عن حلمه فسألته رانية :- ما هو حلمك يا محمد؟؛ سؤال لم يستطع أن يدركه محمد لأنهم في البداية منذ أن كانوا يتحدثون عن أحلامهم، كان هو عاجزا عن إيجاد حلم لنفسه، لأول مرة يدرك أنه ليست لديه أحلام، فقال بما يشعر به فقط :- أن أبقى بجانبكم وأحميكم وأساعدكم على تحقيق أحلامكم هذا هو أكثر ما أريده؛ فبدأو يضمونه كله، وقالت له رانية:- هذا ليس حلم؛ لم تكن هذه رغبته وحده بل كانت رغبة الأم وإخوته أيضا؛ فبقي صامتا كأنه لا يدري الإجابة. لكنه ظل يبتسم وينظر إلى ملامحهم السعيدة التي كانت تبدوا عليهم، وظل يتفكّر في هذه الأمنيات التي تحدثوا عنها تحت نجوم الليل الصافي وهذه الجمعة التي جمعتهم على السطح كانت الأكثر تأثيرا بهم على غيرها وربما سيتذكرونها طول حياتهم...

أغسطس؛ يوم الأربعاء، عادت الأم غاضبة من العمل، لم تتقاضى أجرتها، فصاحب العمل لديه ضيق مادي وأخبرهم أنه سيؤخر الإيجار عليهم. لقد كانت في أمس الحاجة إلى الأجرة لأن البقال لا يعطيها بالدين، والجوع يهلك أبناءها، والأسوء قد أتى، فصاحب البيت طرق عليها يطالبها بالأجرة، أخبرته أنها لم تقبض أجرتها بعد، لكنه ليس مهتما لهذا الأمر، يصرخ في وجهها بأن تعطيعه ماله وإلا سوف يطردها، ترجته مرارا وتكرارا، لكن قلبه كان متحجرا، ظل ينابيها بكلمات سيئة وغادر متوعدا إياها أنه يوم الأحد هو أخر أجل لديها ولديها فقط حلان :- إما أن تغادر بيته أو أن تدفع له أجرته. ظلت تلك الليلة تبكي محتارة فيما ستفعله. في اليوم التالي ذهبت عند مدير المصنع وطلبت منه إعطائها الأجرة لأنها بحاجة إليها أكثر من أي عاملة أخرى بالمصنع لكنه لم يلبي لها طلبها، أما السيدة التي تعمل معها فقد ذهبت في عطلة طويلة ولا تعلم متى ستأتي، حاولت التحدث مع صديقاتها لكي يعطونها سلفة، ولكن ولا واحدة كانت قادرة على مساعدتها. أصبحت لا تدري ما ستفعله وأتى يوم الأحد.
الأحد 6 أغسطس، يوم لن ينسى من ذاكرة هذه الأسرة، ففيه ستتغير حياتهم في إتجاه لم يكونو يوما يتوقعونه.
في السجن المحلي حيث الأب، كان في الساحة يتحدث مع صديقه، حتى ناده أحد حراس السجن، أخبره أن المدير ينادي عليه، ولما أخذه عنده، ودخل مكتب المدير، طلب منه أن يجلس ثم قال له :- لقد ناديت عليك يا عبد العزيز لأخبرك بأمر سار وأردت أن أخبرك به بنفسي لذلك وجدتني أتيت في يوم راحتي إلى هنا. بدأت أحاسيس الأب ترتاح وإبتسم له الأمل الذي كان قد فقده، وبدأ يسمع للمدير بلهفة ينتظر الخبر منه. أكمل المدير :- لقد كنت تدفع لنا الكثير من الطلبات لإلغاء العقوبة عنك، ولكنك أنت تعلم أن جرائم القتل من الصعب العفو عنها. ومع ذلك فعلت كل ما في جهدي كي نخفف على الأقل العقوبة عنك. والبارحة مساءا أتاني طلب ملكي بأن أدفع سير ذاتية لبعض من أحسن السجناء فضلا. جلالته لديه نوايا للقيام ببعض الإعفاءات من إجتياز مدة الحبس. فما رأيك؛ إعتلت بسمة وفرج قلبه وأحس بسعادة لسماعه هذا الخبر المذهل، فقط مرّ وقت طويل جدا لم يسمع فيه خبراً ساراً؛ ثم أكمل المدير :- ولكنك أنت تعلم سياسة السجون، لذلك سنتعامل معك سنطلب منك أن تدفع لنا فقط 30000 درهم وسوف نضمن لك الخروج؛ تحولت السعادة بعد هذا الخطاب إلى فقصة وسكنت ملامحه الذي أبداها. لقد رغب مدير السجن أن يتاجر به بشيء هو أصلا من حقه، فقال عبد العزيز:- حسنا سوف أرى! إن كان بإمكاني دفع هذا المبلغ. فقال له المدير:- لأنك فقط ترغب في الخروج لأبنائك لهذا سأتركها لك بهذا المبلغ هناك من يمكنه الدفع أكثر من هذا المبلغ للحصول على مثل تلك الفرصة، خرج من مكتبه وبدل أن يكون سعيدا كان مغتضا لوقاحتهم...
في الجسر وبينما محمد ونوفل يجلسان تحت الجسر يتحدثان معا،
محمد :- هل لديك حلم يا نوفل ترغب في أن تحققه؛
نوفل :- ما هذا السؤال؟ أنت تعلم دائما أنني أحلم بأن أصبح ثريا؛
محمد :- إنني أتكلم بجد يا نوفل!
نوفل :- ماذا بك، وأنا أيضا أتكلم بجد. هذا هو حلمي. لماذا تسأل فجأة مثل هذه الأسئلة؟؛
محمد :- قبل أيام، سألوني في البيت عن حلمي، لكنني عجزت عن فهم ما أحلم به.
نظر إليه نوفل مستغربا :- هههه، ولكنك سبق أن قلت لي أنك تريد أن تكمل دراستك!؛
محمد :- ذلك ليس حلم إنه مجرد وسلية فقط، ولقد تخليت عن تلك الإرادة في التعلم.
نوفل :- إذا أحلم مثلي بالمال والثراء هذه الوسيلة هي من ستحقق أي رغبة تريدها.
محمد :- هل أنت مقتنع أن المال هو ما يحقق الأهداف؟.
نوفل وهو يرمي بحجرة صغيرة نحو البركة :- بسبب أنكم لا تملكون المال، حياتك أنت وأسرتك تعاني.
محمد يغمض عينيه :- إنني بالفعل أحتاج إلى هدف في حياتي غير حماية اسرتي الكل لديه أحلام لنفسه.
نوفل :- أنت إنكمشت على مسوؤلية حماية أسرتك، لعل هذا ما يعيقك عن إتخاذ أهدافك وأحلامك الخاصة.
محمد :- وهل أنت تملك حلم خاص بنفسك وترغب أن يتحقق لك.
نوفل :- في الحقيقة لدي شيء أحلم به، ولكنني عاجز عن قوله لأحد.
محمد :- حتى أنا؟
نوفل :- أنت بالخصوص ربما قد لا أخبرك به أبدا، لأنك ستكرهني.
محمد يضرب كتفه :- إقتلني هنا ولن أكرهك، لا تقل مثل هذا الكلام، هيا أخبرني ماذا بك؟؛
تنهد نوفل قليل وقال :- بصراحة؛ ... وفجأة أتى عندهما سعيد مفزوعا :- محمد!، محمد! تعال! صاحب البيت يطردنا من المنزل.
بدون وعي ركض محمد إلى البيت بأقصى جهده، كان قلقا جدا لدرجة أنه سبقاهما بمسافة، وعندما إقترب توقف يتأمل المشهد الذي يراه بعينيه والدموع تنتظر الخروج. رأى رجلان يقومان بالدخول إلى البيت ويخرجان الأثاث منه يرمونه خارجاً، كانت سارة تبكي وهي تمسك كل من رانية وكريم، أما الأم فقد كانت راكعة على ركبتيها أمام صاحب البيت تترجاه باكية أن يبقيها وأولاد في البيت، مأواهم الوحيد. لكنه كان يسبها فقط بكلمات نابية، نعتها بالعاهرة والسارقة وكل الذموم، والناس إحتشدت أمامهم تشاهد المهزلة التي يعيشونها، أصبح محمد تائها يرى أسرته على شفير الإنهيار، وبدأ يثور وقلبه يزداد خفقان. بدأ يتصور مصير أسرته الضائعة. تألم من الداخل كثيرا ولو كان بيده ما يفعله لما تردد أبدا، ولكن ليس بيده أية حيل.
في لحظة مسكت الأم أقدام صاحب البيت وطلبت منه أن يرحم أبنائها ويتركهم يبقون في البيت، لكن قام بتصرف حقير لقد قام بركلها إلى وجهه وأسقطها على الأرض بعيدا منه حتى نزفت من أنفها. أسرع محمد مفزوع إليها وسارة أيضا، أمسكاها وتحسسو حالتها كانت ما تزال واعية. تكاثر الغضب داخل محمد وبدأ يتحسس المكان من حوله لقد كانم يعيل على أن يقتل صاحب البيت لما فعله بأمه. أما سعيد فلم يحتمل رؤية ما فعله لأمه فحزّته نفسيته، أخذ صخرة من الأرض ورماها على صاحب البيت بكل قوته، أتت في ظهره، فغضب كثير وركض من وراء سعيد ليضربه، لكن الأم بحرارة حبها لأبنائها حاولت إيقافه تترجاه أن يعفوا عنه لكنه من جديد ضربها بيده فأسقطها أرضا. إتسخت بالكامل بالتربة. إنبعث الغضب في داخل محمد فصرخ في وجهه بكل غضب :- لا تضرب أمي أيها الوضيع؛ ووقف متحسراً يرمقه بغضب، والدمع على عينه مقهور. كانوا جميعا مقهورون الدموع تنتظر متى ستسيل بغزارة. لقد أذلهم جميعا. نظر إليه الرجل وقال له :- ما الذي تقوله يا ابن العاهرة؟ ثم ضربه إلى رأسه وأسقطه على الأرض، إرتطم رأسه بصخرة كبيرة، أحس محمد في آنه بوجع كبير في رأسه وبدأ جسده يرتعد، عندما شاهدت سارة والأم ذلك صرختا معا وأسرعتا إليه، في ذلك الحين دخلت رانية الصغيرة البيت وهي تبكي خوفا، بينما كمال يرتعد من الخوف وحرارته إرتفعت بشدة، أما سعيد فاق غضبه الحد وظل يرمق صخرة أما عينيه ينوي على شر بها، محمد كان يرتعد ورأسه كان ينزف، الأم تصرخ وتبكي على إبنها لحالته الخطرة :- محمد عزيزي! ... إبني الحبيب! اللهم إحفظ إبني...؛ صرخ نوفل صديقه يطالب الناس أن تتصل بسيارة الإسعاف.
في تلك اللحظات بدأ محمد يفقد وعيه، يسمع صرخات أمه تتباعد عن مسامعه وهو ينظر إليها تبكي وتضمه، والرؤية تزداد إسوداداً حتى لم يعد يرى أي شيء، في نفسه داخلا كان يتمنى فقط أن يحمي عائلته من الشتات، وأن يعيش معهم في سعادة، لقد خاب أمله، فقد تخلى عنهم في بداية الطريق... وهكذا غاب عن الوعي ولا يعلم ما المصير الذي ستلقاه أسرته.


imel غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس